أحمد بن محمود السيواسي

44

عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )

( سَيَقُولُونَ ) الضمير فيه لمن خاض في قصتهم من أهل الكتاب السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران ، فإنهما اختلفا مع المؤمنين في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأل المؤمنون خبرهم عن النبي عليه السّلام ، فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه « 1 » فيهم ، فنزل الآية إخبارا بما سيجري بينهم من تنازعهم في عدد الفتية بأن يعضهم يقولون ، يعني السيد وأصحابه : هم ( ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ ) بعضهم ( يَقُولُونَ ) يعني العاقب وأصحابه : هم ( خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ ) أي ظنا به أو رميا بالخبر الخفي من غير يقين ( وَ ) بأن المصيبين منهم ، يعني المؤمنين هم الذين ( يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ) اسمه قطمير أو فرفرين ، ولونه خلنج أو أبلق « 2 » ، روي : أنه يكون معهم في الجنة « 3 » ، وأدخل السين في الفعل الأول دون الآخيرين اكتفاء بعطفهما عليه ، فيدخلان في حكم السين ، والواو في « وَثامِنُهُمْ » ، قيل : هي الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة ، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت متحقق والإيذان بأن هذا العدد المذكور بعدها هو الحق خاصة دون العددين قبله « 4 » ، والذين قالوه لم يرجموا بالظن بل قالوه عن علم وطمأنينة نفس ، ويدل عليه قوله في الأولين « رَجْماً بِالْغَيْبِ » ، وفي الأخير ( قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) من الناس ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « أنا من القليل » « 5 » ( فَلا تُمارِ فِيهِمْ ) أي فلا تجادل يا محمد في أهل الكهف مع أهل الكتاب ( إِلَّا مِراءً ظاهِراً ) أي جدالا ظهر لك بالوحي ولا تزد عليه من تجهيل وتعنيف بهم في الرد عليهم ( وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً ) [ 22 ] أي لا تطلب الفتوى في أهل الكهف من أحد من اليهود ، لأنك عالم بحالهم ، فلا تسألهم سؤال استرشاد ، لأن اللّه تعالى قد عرفك الحق منهم بالوحي إليك ولا سؤال تعنت لأحد منهم ، لأنه خلاف المداراة به بأن يقول شيئا فترده عليه . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 23 ] وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً ( 23 ) ( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ) أي لأي شيء تعزم عليه ( إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ ) الشيء ( غَداً ) [ 23 ] أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 24 ] إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ( 24 ) قوله ( إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ) استثناء من النهي لا من قوله « إِنِّي فاعِلٌ » ، أي لا تقولن أفعل ذلك في حال إلا ملتبسا بمشية اللّه ، أي قائلا إن شاء اللّه ، وقيل معناه « 6 » : إلا بأن « 7 » يأذن لك اللّه فيه ، وهذا نهي تأدب له ، نزل حين قال لهم ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن « 8 » ، وقد ذكرناه آنفا ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ ) أي مشية ربك أو معناه : قل إن شاء اللّه واذكره بالتسبيح والاستغفار ( إِذا نَسِيتَ ) كلمة الاستثناء ، ثم تنبهت عليها أو اذكره إذا نسيت شيئا ما لتذكره « 9 » ، وأكثر الفقهاء لا يجوز الاستثناء حتى يكون متصلا ، وقيل : « يجوز إلى سنة » « 10 » ، وهو قول ابن عباس « 11 » ، وقيل : « ما دام في المجلس » « 12 » ، وهو قول الحسن رضي اللّه عنه ، قوله ( وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ ) بيان لقوله « وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ » ، يعني اذكر « 13 » ربك عند نسيان شيء أن تقول عسى أن يرشدني ربي إلى شيء آخر بدل المنسي

--> ( 1 ) إليه ، ح و : إليهم ، ي . ( 2 ) وقال ابن كثير : « وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات ، وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه » . انظر البداية والنهاية ، 2 / 105 . وقال في تفسيره : « وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران ، وفي تسميتهم بهده الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته ، واللّه أعلم ، فان غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب . . . فان الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة » . انظر تفسير القرآن العظيم ، 5 / 144 . ( 3 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 2 / 295 . ( 4 ) اختصره المفسر من الكشاف ، 3 / 203 . ( 5 ) انظر البغوي ، 3 / 559 . ( 6 ) وقيل معناه ، وي : يعني ، ح . ( 7 ) بأن ، ح و : أن ، ي . ( 8 ) نقله المفسر عن الكشاف ، 3 / 204 . ( 9 ) لتذكره ، ح و : ليذكره ، ي . ( 10 ) انظر البغوي ، 3 / 560 . ( 11 ) وهو قول ابن عباس ، و : - ح ي . ( 12 ) انظر البغوي ، 3 / 560 . ( 13 ) اذكر ، ح ي : ذكر ، و .